الجمعة، 9 أغسطس، 2013

وقفات بعد رمضان

خطبتي يوم الجمعة ١٤٣٤/١٠/٢ في جامع عثمان بن عفان بسبت العلاية .. أسأل الله السداد في القول والعمل.

أما بعد:
ها قد رحل شهر رمضان رحل عنا ضيف كريم كانت أيامه خير أيام وكانت لياليه أجمل ليال أيام قضيناها وكلنا أمل في باب الريان

عباد الله: لنا وقفات بعد شهر رمضان

الأولى: من الذي استفاد من رمضان يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"

فمغفرة الذنوب بهذه الأسباب الثلاثة كل واحد منها مكفر لما سلف من الذنوب وهي صيام رمضان وقيامه وقيام ليلة القدر 

فإذا تم الشهر فقد كمل للمؤمن صيام رمضان وقيامه فيترتب على ذلك مغفرة ما تقدم من ذنبه ومن نقص من العمل الذي عليه نقص له من الأجر بحسب نقصه فلا يلومن إلا نفسه،

الصلاة مكيال والصيام مكيال فمن وفاها وفى الله له ومن طفف فيهما فويل للمطففين أما يستحي من يستوفي مكيال شهواته ويطفف في مكيال صيامه وصلاته فإذا كان الويل لمن طفف في مكيال الدنيا (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ*الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ*وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) (المطففين)

فكيف حال من طفف مكيال الدين (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ*الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) (الماعون) وهذا الويل لمن طفف فكيف حال من فرط بالكلية؟ 

كيف حال من لم يقم ولم يصم وهم أعداد ممن ينتسبون إلى الإسلام ألم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -:"من أدركه رمضان فلم يغفر له فأبعده الله"وقالها جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال له قل آمين فقلت:آمين"من أدركه رمضان فلم يغفر له فأبعده الله"


الوقفة الثانية: توبة المقصر في صيامه وصلاته والاستغفار عما مضى من الإخلال والتفريط في حق الله - تعالى- وحق ذلك الشهر الذي انقضى ولم نستفد منه كما ينبغي والاستغفار هو الدعاء بالمغفرة .

وقد جاء في دعاء أبو هريرة"يغفر فيه إلا لمن أبى"قالوا يا أبا هريرة ومن أبى قال: من أبى أن يستغفر الله عز وجل،

قال الحسن - رحمه الله - أكثروا من الاستغفار فإنكم لا تدرون متى تنزل الرحمة، 

وقال واحد ممن مضى لولده: يا بني عود لسانك الاستغفار فإن لله ساعات لا يرد فيهن سائلا، 

وقد جمع الله بين التوحيد والاستغفار في قوله عز وجل (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ..) (محمد:19) فعطف هذا على هذا مبينا أهمية.

قال إبليس أهلك الناس بالذنوب وأهلكوني بلا اله إلا الله .

والاستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها فتختم به الصلاة والحج وقيام الليل وتختم به المجالس فإن كانت مجالس ذكر كان كالطابع عليها وإن كانت مجالس لغو كانت كفارة لما حصل فيها كذلك ينبغي أن يختم صيام رمضان بالاستغفار، 

كتب عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار والصدقة صدقة الفطر فإن صدقة الفطر طهره للصائم من اللغو والرفث والاستغفار يرفع ما حدث من الخروق في الصيام باللغو والرفث.

وقال بعض أهل العلم: إن صدقة الفطر للصائم كسجدتي السهو، 

وكان بعض السلف إذا صلى صلاة استغفر من تقصيره فيها كما يستغفر المذنب من ذنبه إذا كان هذا حال المحسنين في عباداتهم فكيف حال المسيئين؟، 


الوقفة الثالثة:لقد مضت الأعمال و الصيام والقيام والزكاة والصدقة وختم القران والدعاء والذكر وتفطير الصائم وأنواع البر التي حصلت والعمرة التي قام بها كثير لكن هل تقبلت أم لا؟

هل قبل العمل أم لا؟ يقول الله - تعالى-(..إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة:27)

كان السلف الصالح يجتهدون في إكمال العمل وإتمامه وإتقانه ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ..) (المؤمنون:60) 

يعطي ويخشى أن لا يقبل منه يتصدق ويخشى أن ترد عليه يصوم ويقوم ويخشى أن لا يكتب له الأجر.

قال بعض السلف كانوا لقبول العمل اشد منه اهتماما بالعمل ذاته .

ألم تسمعوا قول الله عز وجل (..إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) وغير المتقين ما هو حالهم ؟

أيها المقبول هنيئا لك أيها المردود جبر الله مصيبتك، ، أيها المسلمون من علامات التقوى الامتناع عن الفسق بعد رمضان الذي يخشى على عمله ولا يدري هل قبل منه أم لا؟ يجتهد في العبادة ويواصل في الطاعة والذي يظن أنه عمل حسنات أمثال الجبال فلا يهمه بعد ذلك ويقول عندي رصيد وساعة لربك وساعة لقلبك 


الوقفة الرابعة:المواصلة على العمل بعد رمضان مواصلة الطاعة والعبادة بعد رمضان 

عباد الله أن الذي يتقي الله حق تقاته يواصل على الطاعة والعبادة والله - تعالى- لما ذكر صفات المؤمنين لم يقيدها بوقت ولم يخصها بزمان .

قال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون) خاشعون دائما (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون:3) ليسوا معرضون في رمضان فقط (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) (المؤمنون:4) متى ما دار الحول يزكي في رمضان أو في غيره وبعض الناس إذا حال الحول في رمضان زكى ويهمل الزكاة في الأموال التي يحول عليها الحول في غير رمضان فانتبهوا لهذه المسألة (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) (المؤمنون:5) ليس في رمضان فقط في غير رمضان أيضا (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً) (الفرقان:63) دائما يكون هكذا مشيهم وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما هكذا هم في العادة (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً) (الفرقان:64).

هم باستمرار يفعلون ذلك وليس في قيام رمضان فقط، وهكذا في سائر صفات المؤمنين.

والسبب إننا مطالبون بالعمل إلى الموت بأمر من الله - تعالى- مرسوم رسمه الرب وأمر صدر من الرب وقال الله - تعالى-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99) واليقين هو الموت وقال الله - تعالى-: (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ..) (مريم:65) فلا بد من الصبر والمصابرة على الطاعة .

وهذه وقفة مهمة جدا في قضية الاستمرار على الطاعة ولعله لهذا السبب شرع لنا صيام الست من شوال بعد رمضان حتى لا تنقطع العبادة الجميلة وهي عبادة الصيام 

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من صام ست أيام بعد الفطر كانت تمام السنة"(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا..) (الأنعام:160)


الوقفة الخامسة: عدم الاغترار بما حصل من الطاعات، 

بعض الناس اجتهدوا فعلا صاموا وحفظوا جوارهم وختموا القرآن وبعضهم أكثر من مره وعملوا عمره في رمضان وصلوا التراويح وصلوا قيام رمضان كله من أوله إلى آخره، وفعلوا ما فعلوا من الصدقات وقدموا ما قدموا وجلسوا في المساجد من بعد الفجر إلى ارتفاع الشمس وبعد الصلاة يقرؤون القرآن وقبل الصلاة ينتظرون الصلاة حصلت عبادات كثيرة لكن إذا كانت النفس سيئة  فإن كثرة العبادة لا تنفع فالشيطان يوسوس ويقول لقد فعلت أشياء كثيرة وطاعات عظيمة خرجت من رمضان بحسنات أمثال الجبال فرصيدك في غاية الارتفاع صحائف حسناتك مملوءة فلا عليك بعد ذلك ما عملت ويصاب بالغرور والعجب وتمتلئ نفسه فخرا ولكن آية من كتاب الله تمحو ذلك كله وتوقفه عند حده وتبين له حقيقة الأمر 

وهي قول الله - تعالى-: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) (المدثر:6) أتمن على الله أتظن أنك فعلت له هذه الأشياء تكون أنت قد قدمت له أشياء عظيمة تظنها خدمة من خدمات البشر (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) لا تمن على الله بعملك لا تفخر لا تغتر ولا تصاب بالعجب (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)

اللهم تقبل منا انك انت السميع العليم وتب علينا إنك انت التواب الرحيم
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه انه كان غفارا



الوقفة السادسة: لا يشترط أن نكون بعد رمضان كما كنا في رمضان فنحن نعلم أن ذلك موسم عظيم لا يأتي بعده مثله إلا رمضان الذي بعده لا يأتي شهر فيه خيرات ومغفرة ورحمة وعتق كما في هذا الشهر الذي انصرم فنحن لا نقول كونوا كما كنتم في رمضان من الاجتهاد فالنفس لا تطيق ذلك لكن لا للانقطاع عن الأعمال؛ الخطورة في الانقطاع فلابد من أخذ الأمور بواقعية ليس المطلوب أن نكون بعد رمضان كما كنا في رمضان كان ذلك شهر اجتهاد له ظرف ووضع خاص لكن الانقطاع عن الأعمال لا ترك الصيام بالكلية لا ترك القيام بالكلية لا ترك ختم القرآن بالكلية لا ترك الدعاء والذكر والصدقة والعمرة

عباد الله : صلوا وسلموا على رسول الله حيث قال سبحانه : ان الله وملائكته يصلون على النبي ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق