السبت، 30 مارس، 2013

[ روح التطوع ]

هذه المقالة هي جزء من المجلة الإلكترونية إي جورنال يو إس إيه "روح التطوع"

بقلم ريك ماركلي

الساعة الثانية صباحاً، وثمة صوت قوي يهزك من سبات عميق، يليه صفير متقطع سريع. يتبع ذلك صوت أزيز عبر جهاز الراديو إلى جانب سريرك يقول: "دائرة إطفاء الحريق مطلوبة، دائرة إطفاء الحريق مطلوبة".

هذا المشهد، أو مشهد يشبهه كثيراً، يجري كل ليلة في عدد لا يحصى من البلدات في أنحاء أميركا. هذا لأن أكثر من 85 بالمئة من دوائر إطفاء الحريق في الولايات المتحدة يشغل المتطوعون وظائفها إما بالكامل أو جزئياً. هؤلاء المتطوعون البالغ عددهم قرابة مليون فرد، والذين يأتون من كافة مناحي الحياة، يُضحّون بوقتهم مع عائلاتهم، بل وحتى بنومهم، للاستجابة لمجموعة من الحالات الطارئة: إنقاذ ضحايا محاصرين في السيارات أو المباني التي تحتوي على مواد خطرة او مكافحة الحرائق. هؤلاء الرجال والنساء هم جزء من تقاليد تعود إلى ما قبل استقلال الولايات المتحدة.

جذور اطفاء الحريق التطوعي

كان بنجامين فرانكلين مخترعاً، وكاتباً، ودبلوماسياً مرموقا. اما ما لم يكن معروفاً عنه فهو انه نظم أول فرقة من المتطوعين لإطفاء الحرائق قبل 40 سنة من إعلان المستعمرات الأميركية الثلاث عشرة استقلالها لتصبح الولايات المتحدة الأميركية. خلال رحلة إلى بوسطن، لاحظ فرانكلين كم كانت تلك المدينة أفضل استعداداً لمكافحة الحرائق مما كانت عليه فيلادلفيا – المدينة التي كان يعتبرها بلدته. لدى عودته إلى فيلادلفيا، نظم فرانكلين الشركة المتحدة لمكافحة الحرائق سنة 1736. نمت شعبية فكرة فِرَق المتطوعين لإطفاء الحرائق، وتم تشكيل مجموعات مماثلة في المستعمرات الأميركية الأخرى. أولى فِرَق المتطوعين الأميركيين لإطفاء الحرائق كانت ناجحة مالياً وتتسم بروح العمل لخدمة المجتمع. كان النجاح الاقتصادي الشخصي هاماً لأنه كان على المتطوعين تأمين كافة معداتهم الخاصة لإطفاء الحرائق.

منذ ذلك الحين تغير الكثير. المدن الأميركية الكبرى مثل بوسطن وفيلادلفيا لديها الآن دوائر يعمل فيها رجال إطفاء محترفون بدوام كامل. لكن بعيداً عن المدن الكبرى، لا تزال المجتمعات الأهلية في الضواحي وفي الأرياف تحت حماية اطفائيين متطوعين.

مكافحة الحرائق في البلدات الصغيرة: تقليد أميركي

لا فارج بلدة صغيرة في جنوب غرب ولاية ويسكنسن. يشرف فيليب ستيتلبورغ، رئيس الاطفائية، على طاقم مؤلف من ثلاثين اطفائياً متطوعاً يعملون بدوام كامل كمزارعين، ومدراء، وعمال مصانع، وأصحاب شركات أعمال. دائرة الاطفائيين المتطوعين لديها مركز إطفاء واحد وتحمي 2750 مقيماً مُوزّعين على مساحة 135 ميلا مربعا (224 كيلومترا مربعا). وهم يستجيبون لحوالي 50 حالة طارئة في السنة وتشكل حوادث اصطدام السيارات والحرائق القسم الأكبر من هذه النداءات.

يقول ستيتلبورغ ان دائرة الإطفاء لديها نفس العدد من المتطوعين وتستجيب لحوالي نفس العدد من النداءات مثلما كانت تفعل عندما التحق هو بها قبل 38 سنة. الشيء الآخر الذي لم يتغيّر هو الالتزام لدى الاطفائيين المتطوعين. فهناك شعور بالمسؤولية المدنية يفرض على الرجال والنساء ترك أسرتهم للإستجابة إلى تلك النداءات الطارئة الساعة الثانية ليلاً.

"يشعر معظم هؤلاء بأنهم مدينون بشيء ما إلى مجتمعهم"، كما يقول ستيتلبورغ عن المتطوعين، ويضيف: "المجتمع الأهلي يعتني بك، يُربيك، وعليك تقديم شيء ما بالمقابل. كما ان هناك الكثير من الارتياح في ان يكون الإنسان جزءاً من فريق يقوم بعمل شاق – عمل لا يستطيع كل إنسان القيام به".


خدم فيليب ستيتلبورغ في دائرة الاطفائيين المتطوعين لبلدة لا فارج على مدى 38 سنة.
تطوع ستيتلبورغ أولاً للخدمة في إطفاء الحريق كسائق بدوام جزئي بينما كان طالباً في كلية الحقوق. ولأن خدمة الإطفاء موجودة في دمه، انضم إلى دائرة اطفاء بلدة لا فارج سنة 1972، بعد تخرجه من كلية الحقوق، وسُمّي رئيساً بعدها بخمس سنوات.

وبصفته محاميا، عمل ستيتلبورغ كمساعد للمدعي العام الذي يقاضي القضايا الجنائية. يقول ان المهنتين تتطلبان اتخاذ القرارات بسرعة، الأمر الذي يستند في أحيان كثيرة إلى معلومات غير كاملة أو سيناريوهات متغيّرة. فاذا ثبت ان القرارات خاطئة، يمكن ان تكون العواقب وخيمة؛ لذلك يحتاج المحامون ورؤساء فِرَق الاطفاء إلى وضع خطط احتياطية. ويقول ستيتلبورغ ان الوقت الذي قضاه في قاعات المحاكم جعله رئيساً أفضل لدائرة الاطفاء – والعكس صحيح كذلك. لقد تقاعد مؤخراً من مكتب المدعي العام في المقاطعة لكنه لا يزال قائداً متطوعاً لمكافحة الحرائق.

يقول ستيتلبورغ انه شهد بعض التغيّرات المشجعة في كل من دائرته وفي دوائر المتطوعين الأخرى لإطفاء الحرائق في أرجاء البلاد. من منظار ما اكتسبه بصفته ضابطا في المجلس القومي لمتطوعي إطفاء الحرائق، يقول ستيتلبورغ، ان هناك مستوى أعلى بكثير من الاحترافية بين المتطوعين الذي قد تحقق من خلال التدريب الصارم. فخلافاً للمتطوعين الأوائل لإطفاء الحرائق، لم يعد من واجب المتطوعين اليوم شراء كافة معدات اطفاء الحرائق الخاصة بهم.

تمويل الاطفائيين المتطوعين

معظم المجتمعات الأهلية التي لديها متطوعون في دوائر إطفاء الحرائق تضع جانباً بعض أموال الضرائب لأجل شراء وصيانة المعدات الوقائية مثل البناطيل والمعاطف المقاومة للحرائق، والخوذات، والصهاريج، وأقنعة التنفس، والجزمات. وتستخدم الأموال العامة أيضاً لشراء الأدوات لإطفاء الحرائق وإجراء عمليات الإنقاذ. لكن الأموال التي تقدمها الحكومات المحلية لا تكفي أحياناً كثيرة لتلبية حاجات دوائر اطفاء الحرائق. عندما يحصل ذلك، يرعى رجال الإطفاء المتطوعون أحداثاً في المجتمعات الأهلية لجمع الأموال الإضافية. مثلاً، من خلال نشاطات مثل بيع أوراق اليانصيب أو الروزنامات. جمع متطوعو لا فارج مبلغ 10,000 دولار في السنة – أي ما يشكل 10 بالمئة من الموازنة السنوية للشركة – لأجل شراء معدات إضافية لاطفاء الحرائق وعمليات الإنقاذ.

تلعب الحكومة الفدرالية أيضاً دوراً في مساعدة دوائر الاطفائيين المتطوعين عن طريق إصدار هبات سنوية. عندما تتقدم دائرة ما بطلب للحصول على هبة فدرالية، عليها ان تظهر ان المعدات، مثل الشاحنات، ضرورية وعليها أيضاً ان تلتزم بتقديم بعض المال للمشتريات. يقول ستيتلبورغ انه استخدم تلك الهبات لشراء شاحنات إطفاء لبلدة لا فارج، لكن حتى مع الهبات، يواصل العديد من دوائر متطوعي لإطفاء استخدام شاحنتهم لمدة طويلة.

قال ستيتلبورغ "عندما جئت إلى هناك سنة 1972، كانت لدينا شاحنتان: واحدة كانت من طراز إنترناشونال 1957، وكانت سيارة الخط الأول للإطفاء، وكانت الثانية من طراز دودج 1939". بعد ان أصبح ستيتلبورغ رئيساً بوقت قصير، اشترت دائرته شاحنة إطفاء سنة 1972. وأضاف، "الآن، شاحنتي لخط الإطفاء الثاني هي نفسها إنترناشونال 1972. انها أقدم الآن مما كانت عليه الشاحنة من طراز 1939 عندما التحقت". وماذا عن الدودج 1939؟ لقد جُدّدت وتستخدم للاستعراض في المسيرات.

سيكون بِنْ فرانكلين، الاطفائي المتطوع والدبلوماسي، فخوراً جداً.

تطوع ريك ماركلي كمدير إعلامي للبعثة الدولية للإغاثة من الحرائق (IFRM)، التي تقدم المعدات المستعملة لإطفاء الحرائق وخدمات الطوارئ والتدريب إلى البلدان النامية. انه متطوع لإطفاء الحرائق ومحرر في مجلة "فاير تشيف" (Fire Chief).

ترجمة أخوكم المدرب:
عبدالله العلياني

تويتر:
m_a998@

إيميل:
m_a998sa@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق